الرئيسية arrow قصة حياته
 
قصة حياته طباعة ارسال لصديق

 Image 

ولد الخطاط سيد إبراهيم في حي القلعة بالقاهرة في أغسطس عام 1897م بمصر كان شاعراً رقيقا وراوية يندر مثاله وأديبا مرموقا في العصر الذهبي للنهضة المصرية. تميز بروعة وجمال خطوطه وثراء علمه في فنون الخط حتي أصبح بحلول الثلاثين من عمره أبرز كتاب الخط العربي في مصر والعالم العربي.

فقد بدأت رحلته مع فن الخط منذ طفولته من خلال البيئة المحيطة به، فهو الأخ الأصغر لشقيقين محمد تاجر الرخام وأحمد المثال النحات المشهور، من أثاره الحديقة اليابانية بحلوان وحديقة الاندلس بالقاهرة فكانت ورشة الأخوين فيها مدرسة الفن الأولي التي بهرت سيد ابراهيم أما المدرسة الثانية التي التقط منها الطفل الموهوب دروسه الجمالية المبكرة، فكانت تلك الآثار الإسلامية الشامخة التي تزخر بها منطقة القلعة وما يحيط بها والتي تزينها كتابات وزخرفة عربية جميلة.

فكان يقف بالساعات أمام خط الثلث المكتوب علي سبيل أم عباس «الذي انشأته والدة عباس الأول» للخطاط العثماني عبدالله الزهدي كاتب الحرمين الشريفين، وأمام خطوط مسجد محمد علي الكبير بالقلعة للخطاط الفارسي سنجلاج.

كما فتنته خطوط اللافتتات التي تحمل اسماء الشوارع بقلم الثلث للخطاط المصري محمد جعفر بك كما تأثر تأثرا شديدا بالخطاط محمد مؤنس زاده المتوفي في عام 1318هـ صاحب النهضة المصرية للخط العربي وكان شديد الشغف بمحاكاة أعماله التي كانت متداولة.

Image
من أعمال الاستاذ محمد مؤنس زادة مؤسس النهضة المصرية للخط العربي
 

وحتي سن الثانية والتسعين كان يذهب إلي مسجد محمد علي باشا الكبير ليشاهد جمال القصيدة المكتوبة بالخط الفارسي علي الجدران الخارجية للمسجد وهي التي تعلم منها الخط الفارسي بالنظر ودون استاذ ومن بعض أبياته:

عروس كنوز قد تحلت بعسجد         مكللة تيجـــــــــانها بالزبرجد

فدع قصر عمدان وأهرام هرمز        وايوان كسري إن أردت لتهتدي

ودع أموي الشام وأنزل بمصرنا       وبادر إلي هذا بإيماء مرشــــد

كان يتمعن في جمال تلك الخطوط وتعلم كثيرا من محاكاتها ومقارنتها.

بدأ دراسة فن الخط العربي في مدارس الكتاب علي يد الشيخ فرج حيث كانوا يخطون علي ألواح الأردواز والصفيح وينقلون كلمات القرآن من المصاحف القديمة التي كان يكتبها في استنبول كبار الخطاطين.

ثم التحق بالأزهر بالقسم النظامي الذي لم تقتصر الدراسة به علي المواد الدينية واللغوية فقط بل عني بالخط العربي أيضا وكان يدرسه اساتذة من مصر وتركيا.

أكتشف موهبته في الخط الشيخ مصطفي الغر وكان يمر مصادفة أمام محل الرخام الذي يملكه شقيقه فلفت نظره لوحة جميلة داخل المحل فسأل عن كاتبها ووجد أمامه سيد ابراهيم يحفر ما كتب علي الرخام ولم يصدق أن هذا الصبي هو كاتب اللوحة فطلب أن يكتب أمامه ودهش الشيخ وطلب منه أن يحضر إليه في الأهر ونهاه عن الحفر علي الرخام للمحافظة علي حساسية اليد.

أعد سيد إبراهيم لوحة خطية وذهب إلي الشيخ في الأزهر وكان الطلبة يلتفون حوله ولما تقدم بلوحته إليه أعلن الشيخ أمام الطلبة أنه يتوقع له مستقبلا كبيرا في عالم الخط ونصحه أن يسلك طريق العلم في تعلم الخط ثم أهدي إليه الشيخ أول كتاب يتلقاه في حياته، وعلي أثر ذلك بدأ يحرص علي اقتناء كل ما هو موجود من أمشق «كتب» الخطاطين الأتراك والايرانيين والمصريين وحتي الكتب الصادرة في الهند وأفغانستان وكل ما هو يتوافر من صور وأصول اللوحات الخطية لهم كما جمع كل ما يتعلق من كتب متعلقة بتاريخ الخط العربي بما في ذلك كتب الحضارة الإسلامية وقد اعتمد اساسا علي كتاب محمد مؤنس من مصر ومحمود جلال الدين من تركيا في بداية حياته العلمية.

وقد حرص علي اقتناء المخطوطة الأصلية لأرجوزة النسابة الوضاحة لأصول الكتابة التي تشرح قواعد الخط العربي وأصوله وكل ما يحتاجه الخطاط شعراً.

ويقول سيد ابراهيم عن ذلك: ولقد أدركت من الصغر أن الخط الجميل والأدب يجمعهما الأحساس بالجمال والحياة وكلاهما يتطلب المداومة في طلب الاتقان عن طريق الثقافة والدراسة بجانب الموهبة.

وتزامن اهتمامه بالخط مع اهتمامه بالأدب،، هو وزميله كامل الكيلاني، كاتب قصص الأطفال المعروف، فعن طريق الأسرة اليونانية التي كانت تسكن في بيت كامل الكيلاني استتمع في طفولته المبكرة إلي الأساطير اليونانية عن طريق السروجي الذي يعمل حوذياً في الحي استمع إلي قصص سيف بن ذي يزن والأميرة ذات الهمة وحمزة البهلوان وفيروز شاه. 

Image
سيدابراهيم والكيلاني وشكيب ارسلان

وقد سمع كلمة «المعلقات» لأول مرة من الأديب مصطفي الحلبي بائع البسبوسة في حي القلعة وهكذا بدأ اتصاله بالتراث العربي إلي جانب معرفته بالقصص الشعبية المصرية.

حفظ القرآن الكريم في الأزهر الشريف وأقبل علي قراءة اللغة وحفظ الشعر وتعمق في أسرار اللغة العربية ليس فقط لإيمانه واعتقاده أن اللغة العربية من المقومات الأساسية للخطاط الجيد بل لأنه كان أيضا يحب اللغة العربية والأدب والشعر وهو لا يؤمن إلا بالخطاط المثقف القوي في اللغة العربية والقادر علي انتخاب روائع المعاني لكتابتها، وبدأ قراءة كتب الأدب العربي القديمة في وقت مبكر مثل الأمالي والكامل للمبرد والعقد الفريد، تفاعلت كل هذه الثقافات معا بحيث أعدته ليكون أديبا وخطاطاً.

واكتشف موهبته الأدبية هذه الشيخ كمال الدين القاوقجي السوري الأصل والمدرس بالأزهر الذي احتضنه وشجعه علي التعمق في دراسة الدين والأدب والشعر وعندما رأي سيد ابراهيم في منامه رؤيا اعتبرها مزعجة ذهب إلي منزل الشيخ كمال مسرعا ومنزعجا وقص عليه الرؤيا فطيب خاطره وبشره بقوله سيكون عمرك طويلا وستبلغ منزله كبيرة وتحقق شهرة كبيرة ان شاء الله ولا تنسي أن تذكرني وتدعو لي دائما.

وحفظ ما يقرب من ثلاثين ألف بيت من الشعر ولم يكن بعد قد بلغ التاسعة عشرة من عمره.

كان محبا لشعر أبي العلاء المعري فقرا اللزوميات في سن مبكرة وكان أثر ذلك واضحا علي انتاجه الشعري والأدبي، بدأ ينظم الشعر وهو في سن العاشرة فقال في أول قصيدة له وهو متمثلا أنه قد زار بلاد العالم المشرقه بالحياة:

وطفت بلاد الله شرقا وغرباً     كأن زمام الدهر طوع بناني

ومتعت بالأسفار نفسا مشوقة    لرؤيتها قبل انقضاء زماني

وعندما رأي في منامه أن يريد أن يطير ولا يستطيع ذلك حضر له شيخ وقال له: حرك يدك لتطير وترتفع ففسر ذلك الحلم بأنه يجب أن يكرس سيد ابراهيم حياته أساسا للخط العربي وثانيا للأدب والشعر.

افتتح سيد ابراهيم مكتبا للخط في منطقة الأمير حسين قرب شارع محمد علي ملحقاً بالمنزل وهو دون العشرين من العمر وقد توقع أن تأتيه الشهرة حين بلوغه العشرين وتصور ذلك ونظم قصيدة مطلعها:

وأني لشاعر وأني لخطاط              وأني لذو علم وأني لذو مال

ولما بلغ العشرين لم تأته الشهرة التي توقعها فقال:

لقد مضت العشرون حولا ولم تكن       برافع الذكر لدي الناس أعمالي

فلا أنا خطاط ولا أنا شاعر...ولا أنا ذو علم ولا أنا ذو مال

فيارب ساعدني فضلك أنه...لأجدر خلق الله بالفضل أمثالي

ولكن سرعان ما انطلق سيد ابراهيم في الطريق الذي رسمته له الأقدار فنانا واعدا يتعانق في وجدانه الخط والشعر في وحدة جمالية فريدة كان يردد أن نفسه «كلفت بالفن العربي لغة وكتابة فكتبت ما كتبت من لوحات وشعر لإحساسي بالجمال جمال المعني والصورة والفكر التي تضمنها تراثنا العربي والإسلامي في الخط والشعر».

وسرعان ما أصبح سيد ابراهيم خطاطا معروفا يزدحم مكتبه بالعملاءد والأصدقاء وطالبي العلم من داخل مصر وخارجها اللذين استهواهم خطه الجميل وعشقه لمهنته فكتب اسماء أمهات الكتب والمجلات الشهيرة ولافتات المحلات وبطاقات الدعوة والإعلانات وأسماء امهات الكتب العربية والشركات الشهيرة وعناوين المسرحيات ومقدمة افلام عبدالوهاب والبطاقات الخاصة للوزراء ومشاهير المجتمع والافتتاحات الملكية وأمتد ذلك إلي خارج مصر مركز الطباعة للعالم العربي في ذلك الوقت.

 

Image
تجديد مسجد المرسي ابوالعباس

وقد ساهم في انتشار اسم سيد ابراهيم في العالم الإسلامي لدي الفرد العادي ومحبي الخط العربي الهدايا الملونة لمجلة الإسلام التي اسسها أمين عبدالرحمن عام 1931م التي كانت أوسع المجلات انتشارا في العالم الإسلامي.

كانت الهدايا لآيات من القرآن الكريم وتصدرها المجلة لترويج مبيعاتها ولاستخدامها في تزيين المنازل والمحلات والمساجد.

Image
من هدايا مجلة الاسلام
 

وكانت فترة ما بين الحربين العالميتين من أخصب فترات الحياة الأدبية والفنية في مصر وقد بلغ سيد ابراهيم في تلك الفترة أوج اكتمالهه وعنفوان تألقه فنانا وشاعرا وظهرت مقالاته الأدبية وحول الخط في مجلات أبولو والهلال والعصور والدنيا وكل شئ.

واستطاع أن يحقق ذاته في مجال الأدب، فأصبح من الشخصيات المعروفة في الهيئات والمنتديات الأدبية.

اشترك في تأسيس رابطة الأدب الحديث وجماعة أبولو، مع أمير الشعراء أحمد شوقي وأحمد زكي أبوشادي وإبراهيم ناجي وحسن كامل الصيرفي وغيرهم، كما جمعته المجالس الأدبية التي ازدهرت في العشرينيات والثلاثينيات بالصفوة من أدباء مصر والوافدين عليها مثل طه حسين وعباس محمود العقاد وعلي أدهم ومحمد الأسمر وأحمد حسن الزيات وجميل صدقي الزهاوي وشكيب أرسلان.

وكان وثيق الصلة بشيخ العروبة أحمد زكي باشا وكان ركنا أساسيا في ندواته الأدبية وكثيرا ما يلقي قصائده في ندوة كرمه ابن هانئ فتهز تعبيراته ولفتاته أمير الشعراء ونشرت معظم هذه القصائد في مجلة «أبولو» ومجلة «العصور» ومجلة «الرجاء».

أسس مع كامل الكيلاني في عام 1908م نادي الكيلاني للطفل ثم في عام 1918 بدأت ندوة الكيلاني الأدبية التي كانت تضم أقطاب الأدب والعلم والفن في مصر والعالم الإسلامي، وكان لا يكاد يصل الي مصر مستشرق أو أديب أو لاجئ سياسي إلا ويزور هذه الندوة ويلتقي سيد ابراهيم بهؤلاء وتتسع دائرة معارفه وأصدقائه.

كما استطاع سيد ابراهيم بانتخاب روائع المعاني وجمال الخط والخروج علي الأشكال التقليدية للوح الخط أن يجذب للخط العربي جمهورا من محبي الخط خلاف الخطاطين من كافة المستويات الثقافية والاجتماعية المختلفة للمجتمع وكان معظم أصدقائه من غير الخطاطين.

وواصل سيد ابراهيم مسيرته يبدع الخط والشعر وتتسع دائرة أصدقائه وتلاميذه من مختلف أرجاء العالم الإسلامي والأوروبي وتعظم مكانته ولا يتوقف عن تقديم خلاصة فنهه وخبرته للأجيال الصاعدة وقد أوجز سيرته تلك في قوله:

كلفت نفسي بالفـــن     وكم للفـــــن سحـــــر

قد أضاع العمر في     ريعانه خط وشعـــــــر

كلما سطرت سطرا     ضاع من عمري سطر

وعندما زار الرئىس جمال عبدالناصر مسجد مدينة بنجالور بجنوب الهند وأعلن تبرعه للمسجد باسم مصر بما يلزمه من السجاجيد طلب منه المسلمون أن تكون هدية مصر هي خط سيد ابراهيم فاستجاب لهم، وكانت أحب وأعز أعماله لديه هي سورة الجمعة كاملة علي هيئة إطار يرتفع سبعة أمتار حول الباب الداخلي لصحن المسجد.

ويقول سيد ابراهيم ان العمر امتد به ليعيش في جيل غير جيله فوجد الخط العربي في نكوص متواصل وتدني الاهتمام به وتدهور مستوي التقييم الفني وكثر المدعون في هذا الفن الجميل لدرجة أنه يمكن للجاهل أن ينازع فيه العالم، وبرغم أنه لم يتأثر بذلك فإنه فضل الانسحاب من الحياة العامة وهو في قمة شهرته.

وبعد أن اجري جراحة في عينه في عام 1978م بأسبانيا اعتزل التدريس في مدرسة تحسين الخطوط «وهي التي انشأها الملك فؤاد كرد فعل لإلغاء الحروف العربية بتركيا» بعد ثلاثة وأربعين عاما من التدريس المتواصل بها وكذلك في الجامعة الأمريكية للطلبة الأجانب بعد ثمانية أعوام من التدريس وأغلق مكتبه بمنطقة «العتبة» بالقاهرة بعد أن ظل مفتوحا لمدة ثلاثة وستين عاما وتوقف عن الأعمال التجارية وبقي في بيته يمارس فنه بإعداد مجموعة فنية كبيرة من اللوحات الفنية ويشبع في الوقت نفسه هوايته في قراءة الشعر مستمتعا بزيارات اصدقائه وتلاميذه ومحبيه من داخل مصر وخارجها كما كان دائم الإطلاع علي كتب الخط ويردد وهو في التسعين من العمر أنه بالاطلاع والدراسة في هذه السن فإنه يكتشف أسرارا جديدة من أسرار الخط العربي.

وكان يحلو له من وقت لآخر أن يزور مهبط إلهامه ووحيه القديم مسجد محمد علي بالقلعة وسبيل أم عباس وكذلك قصر الأمير محمد علي بالمنيل ليستعيد ذكرياته مع الأمير محمد علي والحاج أحمد الكامل رئىس الخطاطين باستنبول وكان محبا له لصداقته وخطه وكان يتحدث دائما عن فن الحاج كامل مع الاجيال المتعاقبة من الطلبة وعندما زار سيد ابراهيم تركيا كان دائما يردد في كل مكان يزوره (كأني أري الحاج كامل دائماً أمامي) وقد كتب عنه في مجلة  تحسين الخطوط الملكية بالعدد الأول ومحاضرات تاريخ الخط العربي في الجامعة العربية.

 

Image
قصر محمد علي بالمنيل 1336 هـ

اعتزل الكتابة وعمره اثنان وتسعون عاما فكتب لوحتين أهدي إحداهما لصديقه المهندس عثمان أحمد عثمان والأخري للأستاذ السيد محمد علي حافظ الناشر لجريدة الشرق الأوسط الذي كان له فضل طبع كتاب روائع الخط العربي والذي كان امتدادا للصداقة النادرة التي امتدت لأكثر من نصف قرن مع السيدين علي وعثمان حافظ مؤسسي جريدة المدينة المنورة السعودية.